في مملكة السويد العجيبة، يعيش الناس على امتداد رقعتها الفسيحة يصرفون سويعات يومهم بحزمة فريدة من القيم التي تجعل المجتمع بمكوناته يتنفس هواء لا يتأتى لكتل بشرية عبر أديم الأرض أن تنعم به… إنه صرح أسس على قيمة فريدة تسمى “الثقة”؛ وهو أيضا نظام يكون فيه كل الأشخاص صادقون في كل ما تسرب عبر أفواههم إلى آذان المجتمع ومن ثم لا مجال للغوص فيما وراء المفردات التي تصبح التزاما سرمديا عمليا بالصدق في القول والعمل، اتفق عليه سكان المملكة “المجيدة”. لا نستطيع جرد حالات تطبيق عملة “الثقة” الواسعة الانتشار لان هذه الحالات تتشعب في دروب الحياة اليومية لتمتد إلى ابسط المعاملات اليومية ولكن لنخرج من دوامة الكيف والكم سأسوق مثلا بسيطا :

من منا لا يعرف شركات التأمين والتي تفرض نفسها على جسد المعاملات المجتمعية الإدارية وغيرها ؟

من منا يستطيع أن يفلت من براثنها فيحرك عجلات دراجته النارية دون أن تكون حافظة أوراقه قد حوت شهادة تأمين؟  والأمثلة على تعددها لا تضيف إلى ملكوت أفكارنا ما يغنيها ويرفع منسوب ثروتها. ما يهم في النهاية هو أن التأمين إجباري وعدم الاشتراك فيه يعرض للمسائلة ويسبب لناقلتك الاحتجاز وهذه في مجملها أمور ربى المجتمع ممارسته اليومية على تقبلها؛ لكن الهموم تنشط عندما يكون لك حق يستوجب استخلاصه لدى شركة التأمين التي تواجهك بترسانة من الوثائق والتبريرات لتعوضك عن جزء من مبلغ الدواء أو تكلفة إصلاح الأعطاب آو دية مسلمة إلى أهل الهالك المؤمن؛ مع استبسال محاميها في الدفاع عن آخر “سنبوك” يخرج من رحم موكلته التي راكمت أموالا لا آخر لها من مساهمات المتضررين الواقفين ببابها كمن يتسول إعانة آو عطاء.

في مملكة السويد “المجيدة” – لا شك أن ناموس العلاقات الاجتماعية وتناغم أداء الإدارة مع رفاهية المواطن يجعلها تنتزع وصف “المجيدة” من بين ألفاظ لا تنعم بها إلا المسميات النبيلة المتفردة- لا يحتاج المواطن للإدلاء بما يفيد صحة ما يطالب به شركة التأمين التي لا تكلف نفسها التريث قبل صرف المستحقات لفائدة المستفيد؛ كل ما يجب عليك فعله هو التوفر على قلم قادر على كتابة رقم معين على ورقة معينة ثم طرق باب شركة التامين لتخرج منها بعد ثواني تحمل شيكا باسمك دون مسائلة.

 عندما تتوفر حاجيات المواطن اليومية التي يكون للمملكة العجيبة اليد البيضاء في توفيرها بشكل لا يدفع المواطن إلى الافتراء على شركة التأمين بغية سرقة أموال لا حق له فيها؛ وعندما لا يضيع حق المتقاضي الذي تضمنه هيئة لا تهتم لمن تتم مقاضاته ولمنصبه مهما سما وعلا بقدر ما تهتم بتطبيق القانون حرصا على حماية مبدأ “الثقة”؛ الذي يسير على ناموسه الطبيب والمعلم والشرطي والفيلسوف،  يصبح كل افراد المجتمع يوزعون “الثقة” بسخاء.

غير بعيد عن فارس شوارع ستوكهولم ومفخرتها، يقبع مسجد مغترب تؤدى  فيه الصلوات الخمس والتراويح و صلاة الجمعة والعيدين، بل يتعدى ذلك إلى مجلس علم وموعظة أحيانا في  بلد يؤمن بالثالوث المقدس. في باب المسجد الذي ينكشف على الشارع بل هو جزء لا يتجزء من رصيفه، كان مصلون قد تركوا هواتفهم الذكية والتي يعادل ثمن احدها راتب ثلاثة عمال مجتمعين دون إهمال ذكر الأحذية الرياضية الثمينة، وانخرطوا في صلاة الجماعة المكتوبة في تركيز وخشوع لا يزعزعه احتمال أن تمتد أيادي عابثة لما تركوه في الخارج احتراما لقدسية المسجد.

في بلاد الإسلام “المتفردة” حيث اللسان العربي الفصيح ودستور محمد بن عبد الله الصادق الأمين عليه ازكى الصلوات، تتفلسف الرؤى وتتشعب تضاريسها ليغوص العقل في ثمالة لا يستفيق منها وهو يحاول أن يربط ممارسات مريدي بيوت الله ومرتاديها فتزكم انفه ريح ساخنة باردة من فرط العبث الذي يستشعره وهو يحاول توجيه مخلوقات تحمل أجسادها إلى بيت من بيوت الرحمان دون أن تقيم لتواجدها في رحابه تقييما يرفعها إلى مقام الواقفين في صفوف مسجد ستوكهولم الكافرة.

يضطر القائم على المسجد إلى طلاء  كل “صندالة” من البلاستيك بالصباغة التي يتسولها من محسن شأنها في ذلك شأن الصندالة نفسها؛ ثم يقتطع جزءا منها حتى تصبح معيبة فيستحيل للمستولي عليها أن يحولها إلى ذمته آو يبيعها إلى آخر. ليس لعامل المسجد من فضل في فكرة كتلك، فقد اقتبسها من “الخضر عليه السلام” عندما خرق السفينة أثناء مرافقته لموسى عليه السلام خشية أن يستولي عليها الملك.

في داخل المسجد تجد الحاج “عيسى” قد قرر والحاج “ابراهيم” اتخاذ أقصى زاوية وأبعدها عن باقي المصلين مكانا يتجاذبان فيه أطراف الحديث حتى إذا قامت الصلاة أقاماها حيث هما؛ دون أن تكون الصفوف المتراصة حافزا يغدي  رحيلهما عن موقعهما الثابت الذي لا يبارحانه إلا إذا انتهت الصلاة. وراء الإمام، يتركز مجموعة من أصحاب “النفوذ” وهو حق مكتسب بجسارة وقوة تجعل أي راغب في الالتحاق بالصف الأول مطالبا بتجنب “بلاصة سي فلان” الذي تجد أصدقائه في الصف يحافظون عليها كما لو انه كان يتوفر على رسمها العقاري. دون إغفال الطقوس الغريبة التي يتوارثون الحفاظ على أدائها من قبيل الدعاء بعد الصلاة وغيرها. تمتد سيطرة هذه المجموعة لتطول جهاز الميكرفون الذي لا يسمحون لأيادي “غريبة” ان تطاله حتى ولو تعلق الأمر بأداء آذان الجمعة الثلاثي. هي نفسها الأصوات التي تنفخ رداءة مخرجها في آذان من غاب وحضر تتكرر كل جمعة وكل عيد وتصر على طريقة مبتدعة يسمونها “مغربية” في الآذان وكأن الآذان الذي أوصى رسول الله به “بلال” لجمال صوته لا يستحق أن تؤديه حناجر عذبة المخرج تروق للمسلم وغير المسلم. وسط كل هذه التجاذبات، تنحصر أفكار المصلي وتكثر هواجسه أثناء الصلاة بعد تذكره أن حذائه البائس قد نسي أن يضعه أمامه وان الفراق بينهما قد أصبح واردا لكنه يخفف من القلق على أمل أن يلتقيا يوما ما في احد الأسواق الهامشية الكئيبة.


هل أحببت ذلك؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0

0 Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Choose A Format
Personality quiz
Series of questions that intends to reveal something about the personality
Trivia quiz
Series of questions with right and wrong answers that intends to check knowledge
Poll
Voting to make decisions or determine opinions
Story
Formatted Text with Embeds and Visuals
List
The Classic Internet Listicles
Countdown
The Classic Internet Countdowns
Open List
Submit your own item and vote up for the best submission
Ranked List
Upvote or downvote to decide the best list item
Meme
Upload your own images to make custom memes
Video
Youtube, Vimeo or Vine Embeds
Audio
Soundcloud or Mixcloud Embeds
Image
Photo or GIF
Gif
GIF format