(كلما اخترنا عدم الحديث عن العنف المنزلي، كلما ابتعدنا عن القضية، كلما خسرنا الكثير) هذا ما قاله (راسل ويلسون – Russell Wilson) عن قضية العنف المنزلي التي باتت لا تفرق في مدى تحضر، وتقدم،  ورقي المجتمعات.

عدم الحديث عن تلك القضية ليس الحل، فالهروب من مواجهتها جعلها تتفاقم بشكلٍ كبير، هناك الكثير من الأسباب التي تتسبب في هذه الظاهرة، ولكن في وقتنا الحاضر تزايدت وتزايد معها طلب الدعم من قبل ضحية العنف المنزلي وذلك بسبب الوضع العالمي الذي نمر به جميعًا.

ما هي أسباب تلك الظاهرة؟، ومتى بدأت في الظهور؟، وكيف يتم التعامل مع من يتعرض للعنف الأسري؟، ومن هم الأكثر تعرضًا للعنف الأسري؟.

تعريف ظاهرة العنف الأسري

تعرف تلك الظاهرة بأنها قيام شخص من الأسرة بإلحاق الضرر والأذى بفرد أخر من أسرته وذلك باستخدام القوة المادية أو المعنوية الغير مشروعة، قد يكون العنف لفظي أو نفسي أو مادي (الإعتداء بالضرب) أو حتى عنف فكري، واجتماعي، وجنسي.

في الغالب يكون المعتدي هو (الرجل) وتكون الضحية (امرأة) أو (طفلاً)، هذا ليس معناه أن الرجال لا يتعرضون للعنف الأسري، لا بالطبع يتعرضون لتلك الظاهرة ولكن في معظم الأحيان يكون الرجل المعتدي وليس الضحية.

لهذه الظاهرة عدة مسميات منها: العنف المنزلي، العنف الأسري، الإساءة الأسرية.

تاريخ ظاهرة العنف الأسري

العنف المنزلي ليس مشكلة جديدة ولا محلية حيث يمكنك العثور على أشكال عديدة من العنف الأسري أو المنزلي في جميع أنحاء العالم، وأيضًا هناك أدلة تدل على حدوثه في الماضي خلال فترات تاريخية مختلفة وفي مجتمعات وحضارات مختلفة في جميع أنحاء العالم.

هناك العديد من السوابق والأحداث الاجتماعية التي إما دعمت العنف المنزلي أو فشلت في إدانته، لقد خلق التاريخ الطويل من اللامبالاة تجاه هذا الموضوع كتلة ضخمة من المعتقدات والمواقف القانونية، والثقافية، والاجتماعية، التي لم تستطع المجتمعات المعاصرة التغلب عليها حتى الآن.

أول ظهور للعنف الأسري في تاريخ البشرية كانت بين (قابيل) و(هابيل)، عندما قام الأخ بقتل أخيه من أجل أن يتزوج أخته، وفي العصور القديمة هناك العديد من مظاهر العنف ضد المرأة والأطفال فمثلاً:

في عصر الإمبراطورية الرومانية كان الضرب والطلاق من حقوق رب الأسرة، ولم يسمح للنساء بتطليق أزواجهن إلا في حالات العنف المفرط وكان هذا الحق مقتصراً على من هم في الطبقات العليا، بينما نساء الطبقات الدنيا لا يملكون أي حقوق.

كان (قسطنطين – Constantine) أول إمبراطور يأمر بأعدام زوجته وذلك لمجرد الاشتباه في ارتكابها جريمة الزنا وليس قيامها بفعل تلك الجريمة.

(حمورابي) هو قانون من أقدم القوانين الخاصة بأحكام تأديب الزوجة والأبناء من قبل رب الأسرة فمثلاً كان لديه الحق ببيع زوجته وأبنائه للعبودية أو إلزامهم بالرق لمدة من أجل سداد دينه.

ونتحول من العنف الأسري في العصور القديمة إلى العنف الأسري في العصور الوسطى في (أوروبا) حيث أظهرت المجتمعات الأوروبية مستوى من القبول الاجتماعي والقانوني للعنف المنزلي.

كانت بعض المجتمعات في (أوروبا) تحرق النساء وهن على قيد الحياة وذلك بسبب ارتكاب إحدى هذه الجرائم: جريمة الزنا، والتذمر أو التوبيخ، والإجهاض، وكان لا يهم سبب الإجهاض حتى لو كان هذا نتج من سوء معاملة الزوج لزوجته.

أيضًا كان يتم معاملة الأطفال بقسوة شديدة حيث كان يتم استعبادهم للعمل وبيعهم، ويمكن أيضًا التخلي عنهم في حال إذا كان المولود أنثى.

كان هناك أيضًا قانوناً إنجليزياً يسمح للزوجة بضرب زوجته بالعصا فقد قال السير (ويليام بلاكستون – William Blackston) (أن سلطة الانضباط الجسدي ضرورية طالما أن القانون سيحمل الرجال المسؤولية عن جرائم نسائهم)، ومع صعود (الملكة إليزابيث) للعرش أواخر (القرن التاسع عشر) أصدرت تشريعات لصالح المرأة لحمايتها من العنف الذي تتعرض له.

في أوائل القرن (السادس عشر) كانت البداية لظهور العنف ضد المرأة في (أمريكا)، حيث أعتمد مستوطني (أمريكا) الأوائل على قانون إنجليزي قديم يسمح للزوج بضرب زوجته إذا اقتضى الأمر ذلك، وحاول البعض في ذلك الوقت وقف هذا القانون الذي يمثل إساءة للمرأة.

في عام (1871)م كانت ولاية (ألاباما) أول ولاية تلغي هذا القانون وتحرمه ولكن لم تصدر قانوناً للعقوبات لصد من يفعل هذه الجريمة مستقبلاً، وجاءت من بعدها ولاية (ماريلاند) عام (1882)م وأصدرت قانوناً يعاقب كل من يعتدي على زوجته بالضرب حيث يعاقب بالسجن لمدة (عام) أو يعاقب بالجلد.

ولكن جاءت ولاية (نورث كارولينا) في عام (1886)م لتعلن أنه لا يمكن معاقبة الزوج لضربه زوجته إلا في حال كان العنف مفرط مما أدى لتعرض حياة الزوجة للخطر أو تعرضها لإصابة دائمة، ومع قدوم عام (1920)م كانت جميع الولايات تحرم ضرب الزوجة، وفي السبعينيات بدأ التعامل مع العنف المنزلي على أنه جريمة خطيرة وليس مسألة عائلية خاصة.

أسباب وآثار ظاهرة العنف الأسري

أسبابه:

هناك العديد من الأسباب التي كانت وراء ظهور تلك الظاهرة ومنها: الفقر، والبطالة، والضغط النفسي الناتج عن الحياة اليومية، والفهم الخاطئ للدين والعادات والتقاليد ومفهوم الرجل الخاطئ عن كيفية قيادة أسرته؟، والأطفال الذين تعرضوا للعنف الأسري في صغرهم يكون لديهم ميول لممارسة العنف الأسري مستقبلاً على أفراد أسرهم.

اضطراب العلاقة بين طرفي الأسرة (الزوج وزوجته)، وذلك بسبب أحد أو كل تلك الاختلافات (اختلافات فكرية، وثقافية، وتعليمية، واجتماعية)، والشعور بالنقص لدى الأطفال الذين لا يحصلون على الرعاية و تعرضهم للتنمر من قبل المجتمع.

لكن أصبح السبب الأساسي في الوقت الحاضر لتزايد هذه الظاهر هو جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد19) الذي بات يخيم بوجوده على المشهد العالمي.

هناك دول توقفت بها حركة الإنتاج بشكل تام وأخرى تواجهة مشكلة تسريح أصحاب الأعمال للعمالة نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية الناتجة عن فيروس كورونا مما أدى لتنامي الضغوط الاجتماعية.

تزايدت أعداد النساء اللواتي يطلبن خدمات الدعم (الرعاية الصحية، والشرطة) لمواجهة المعتدين حيث أنه في ظل الحجر الصحي يقع النساء في فخ العنف الأسري لتواجدهم مع المعتدين في مكانًا واحدًا.

قال الأمين العام للأمم المتحدة (أنطونيو غوتيريس – Antonio Guterres) أن العنف لا يقتصر على ساحة المعركة، ف بالنسبة للعديد من النساء والفتيات هناك تهديداً أكبر حيث يجب أن يكونوا أكثر أمانًا في منازلهم، وناشد الجميع بمحاولة إرساء السلام في المنازل في جميع أنحاء العالم.

وقال أيضًا أنه مع انشغال الشرطة ومقدمي خدمة الرعاية الصحية في مجابهة (كوفيد19) وافتقار مجموعات الدعم المحلية للتمويل يجب على الحكومات منع العنف ضد المرأة عن طريق عدة إجراءات مثل التأكد من عمل الأنظمة القضائية لملاحقة المعتدين، وتوفير سبل أكثر أمانًا للنساء لطلب الدعم دون انتباه المعتدين.

آثاره على الفرد والمجتمع

يتعرض ضحية العنف الأسري إلى العديد من الأضرار والآثار منها أنه قد يلجأ إلى المخدرات والكحوليات كوسيلة لتناسي ما تعرض له من عنف، ويواجهة عدة اضطرابات في الأكل والنوم، أضرار جسدية كالكسور والحروق نتيجة تعرضه للعنف الجسدي.

معاناة ضحية العنف الأسري من الأمراض النفسية مثل القلق، والاكتئاب، وفقدان الثقة بالنفس، والأطفال الذين ينشؤون في ظل جو من العنف الأسري هم الأكثر عرضة لسوء التغذية، وبطء في التعلم، ويتعرضون للعديد من الأمراض.

الأشخاص الذين يتعرضون للعنف هم الأقل إنتاجية وبالتالي تنخفض العوائد مما يعني أنهم أفراد لا يساهمون في مجتمعهم بشكل إيجابي، الأسرة هي أساس المجتمع فوجود العنف الأسري في أي مجتمع يعني تهديداً صريحاً بكيان المجتمع بأسره فهو أخطر من الأوبئة لأنه يعمل على هدم المجتمع.

كيف يتم التعامل مع ضحية العنف الأسري؟

معالجة تلك الظاهرة يختلف من مجتمع إلى أخر، ولكن بالتأكيد ما يقوم به أي مجتمع لمجابهة تلك الظاهرة يضع في المقام الأول هدف أساسي وهو حماية الضحية والتأكد من عدم تعرضها مجددًا للعنف الأسري.

إذا كنت تعتقد أن شخصًا ما يتعرض للعنف الأسري وتريد مساعدته، فما هي الطرق التي يمكنك مساعدته بها؟.

حاول أن تخصص وقتًا له وأن تتحدث معه قائلاً (أنا قلق عليك هل أنت بخير؟)، وأن تحاول الإستماع إليه وأخبره أنك لن تخبر أحداً عن ما سيخبرك به ولا تحاول إجباره على التحدث فقط دعه يتحدث وسوف يكشف عما يحدث معه.

يمكنك أن تطرح عليه بعض الأسئلة التوضيحية عن ما يخبرك به لكي تتأكد من شكوك إذا ما كان يتعرض للعنف الأسري أم لا؟.

قد يثق بك الضحية ويخبرك عن مشاعره ومخاوفه ولكن قد لا يخبرك صراحة أنه يتعرض للعنف المنزلي، لذا هناك بعض العلامات التحذيرية التي سوف تساعدك على التأكد مثل:

علامات إعتداء على الرقبة أو الذراعين، وظهور الكدمات على الذراعين أو الجسم بشكل عام، وتدني احترام الذات لديه، والتحدث عن الانتحار بشكل مستمر.

وأيضًا ظهور اضطرابات غير مألوفة في النوم والأكل، ويميل من يتعرضون للعنف المنزلي إلى العزلة والوحدة، وأيضًا يكون لديهم العديد من المشاعر المتناقضة كالشعور بالأمل واليأس والخوف والحب في آن واحد.

إذا أخبرك الضحية أنه يتعرض للعنف المنزلي عليك أن تصدقه وأن تخبره بذلك، ففي بعض الأحيان يتعرض الضحية للتكذيب من المحيطين به نتيجة أن الجاني لا يصدق أحد أنه يمكنه فعل هذا العمل الشنيع بالإعتداء على الغير.

وآخيراً سوف يتعين عليك مساعدته في الوصول لأحد ملاجئ الرعاية الخاصة بهذا الأمر أو التواصل مع مقدمي الخدمات الاجتماعية، وأبلغ الشرطة لحمايته وأيضًا مساعدته في معرفة القوانين التي تحميه من المعتدي.

الخلاصة

في النهاية هذه الظاهرة ليست بجديدة على عالمنا، ولكنها بدأت تتزايد وتهدد المجتمعات مما يستدعي العمل على مجابهة هذه الظاهرة لضمان تقدم المجتمع.

العنف الأسري لا يقترن بالمجتمعات النامية فقط أو بالأشخاص ذوي الطبقات الفقيرة فقط، لا فليس هناك معايير تحكم هذه الظاهرة فهناك مجتمعات متحضرة وطبقات راقيه اجتماعياً ومع ذلك نجد بها ظاهرة العنف الأسري.

في ظل الظروف التي يمر بها العالم علينا أن نتكاتف ليس فقط لمحاربة المرض وإنما أيضًا لمحاربة العنف الأسري، فالعنف ليس مقتصراً على الحروب ولكنه أصبح في المنازل.

ساهم في نشر الوعي بمخاطر هذه الظاهرة، ساهم في تحسين مجتمعك وتصحيح المفاهيم الخاطئة أو العادات والتقاليد الخاطئة التي قد تتسبب في تعرض امرأة أو طفل للعنف الأسري.

شاركنا برأيك عن تلك الظاهرة التي باتت تخيم على عالمنا في ظل الأزمة التي نعيشها الآن؟.


هل أحببت ذلك؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0

0 Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Choose A Format
Personality quiz
Series of questions that intends to reveal something about the personality
Trivia quiz
Series of questions with right and wrong answers that intends to check knowledge
Poll
Voting to make decisions or determine opinions
Story
Formatted Text with Embeds and Visuals
List
The Classic Internet Listicles
Countdown
The Classic Internet Countdowns
Open List
Submit your own item and vote up for the best submission
Ranked List
Upvote or downvote to decide the best list item
Meme
Upload your own images to make custom memes
Video
Youtube, Vimeo or Vine Embeds
Audio
Soundcloud or Mixcloud Embeds
Image
Photo or GIF
Gif
GIF format