هل الحب قدر أم قرار؟

26 أكتوبر 2020

يرى أهل الفقه والعقيدة أنَّ كلَّ ما في الكون محكومٌ بقضاء الله تعالى وقدره ومسبوقٌ بعلم الله وغيبه، ويشمل ذلك أفعال العباد، وحركاتهم، وتفكيرهم، واختياراتهم، وما يقعون فيه من الخير والشر، وجعل أمر الإنسانِ في حياته بين التسيير الإلهي فيما خُلق له حيث الحدود البشريَّة لا تتعدَّى قدرة الله تعالى وإرادته ومشيئته، وبين التخيير الآدمي المُعزَّز بالعقل، والتكليف، والقدرة على القياس والموازنة، ومعرفة الخير والشرِّ والاختيار بينهما، وبذلك فإنَّ ما يفعله الفرد من الأمور والسلوكات المختارة بين احتمالات وبدائل يكون ضمن اختياره، وقراره، وتمحيصه، وتفريقه بين ما يمكن أن يحقِّق مصلحته ونفعه وما يضرُّ بمصلحته وأمره، فإذا احتاج طعامه أكل وإذا رغب الزَّواج تزوَّج وكلٌّ باختياره المرصودِ لحسابِه المناط بالتكليف دونَ تسييرٍ أو إجبار، فالإنسانُ مُخيَّر بإرادته، وكسبه، ومعاملاته، ويملك القرار في ذلك دونما حبسٍ على التسيير.

 ويمكن إسقاط هذا القياس على الحب الذي هو في الأصل احتياجٌ إنسانيٌ أراده الأنبياء أن يظهر في أتباعهم كسمةٍ بارزةٍ ليتحقَّق الأمن والسعادة فحضوهم عليه وأرشدوهم إليه، وهو ما اعتمده الأولون أيضاً كأساسٍ لتقييم سلوك البشر وأفعالهم؛ إذ جعلوا كل إنجازٍ لا ينبع من الحبِّ عديم القيمة والتقدير؛ إذ يجب أن يكون الحب هو الدافع الأساسي لأي عملٍ أو سلوكٍ يقوم به الفرد.

  إنَّ نظرة المجتمعات الحديثة للحب تنحصر في فئتين، ترى الأولى أنَّ الحب وليد الفرصة والمصادفة، أي أنَّه متعلَّق بالقدر الذي يجلب الشخص المناسب في الوقت المناسب والمكان المناسب لتتلاقى الأنفس وتتآلف وتنشأ عاطفةٌ سريعة تولِّد السعادة والسرور في قلوب المتحابين دون جهد منهما منهما أو تعب أو مبادرة، غير أنَّ الفئة الأخرى ترى أنَّ الحبَّ مهارة متعلَّمة تُكتسب بالتعلُّم والتدرُّب كمختلف العلوم والفنون؛ إذ يعتمد الحب كعلمٍ ومهارةٍ على بناء القدرات النفسيَّة والعقليَّة للنَّاس ليكونوا قادرين ومؤهلين لصناعة الحب وممارسة ذلك الفنِّ بصورةٍ واقعيَّة، فيكون الحبُّ على ذلك التقدير قرارذاتي واختيار بشري يتعلَّق بسعي الإنسان وإرادته دون سيطرة القدر وتسييره.

ربما يكون أعظم مٌدللٍ على أن الوقوع في الحب أمر اختياري نابع من قرار الفرد ومسؤوليته هو مآل حال الحب بعد زمنٍ معيَّن كانتهاء زواج المحبَّين بالطلاق مثلاً أو انعدام الحب بينهما بعد فترة من الزواج والتلاقي، والتواد والتآلف، ذلك يُظهر بوضوح أن قرارهما بصناعة الحب انتهى، أو أنهما اتخذا قراراً جديداً بإنهاء حالة الحب تلك، فلم يكن الحب قدراً لحظياً لهما أو تسييراً زمنياً متغيِّراً، بل إنَّ قرار الحب الأولي لم يتحصَّل على الديمومة والأبديَّة لاقترانه بالاختيار والقرار الخاضعين لسهولة التغيُّر والتبدُّل، يُستشهد على ذلك أيضاً بتغيُّر ظروف المحبَّين بعد الانتقال إلى الحياة الواقعيَّة التي تنسلخ منها المثاليات وتغزوها المظاهر الاعتياديَّة ليطَّلع كلا الحبيبين على حياة بعضهما النَّمطيَّة دون تزيينٍ وترتيبٍ عالِ المستوى والأداء، فيُظهر كلُّ فردٍ منهما مساوئه وأخطاءه بطبيعتها دونما حرصٍ على المثاليَّة والإفراط في تحسين الصورة الخارجيَّة التي لا تظهر عادةً داخل المنزل، فتتكشَّف الصفات المخفية التي لم يكن يراها كل حبيبٍ في حبيبه، فيحلُّ عند بعض المحبِّين قرارٌ جديدٌ يُنهي حالة الحبِّ المزعومة التي اتخذها سابقاً


هل أحببت ذلك؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0

0 Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Choose A Format
Personality quiz
Series of questions that intends to reveal something about the personality
Trivia quiz
Series of questions with right and wrong answers that intends to check knowledge
Poll
Voting to make decisions or determine opinions
Story
Formatted Text with Embeds and Visuals
List
The Classic Internet Listicles
Countdown
The Classic Internet Countdowns
Open List
Submit your own item and vote up for the best submission
Ranked List
Upvote or downvote to decide the best list item
Meme
Upload your own images to make custom memes
Video
Youtube, Vimeo or Vine Embeds
Audio
Soundcloud or Mixcloud Embeds
Image
Photo or GIF
Gif
GIF format